8 Elseka Elbida Abbasya
Cairo, Egypt
[email protected]
(202) 2482.0574

كيف نتعامل مع الألم في العالم؟

كيف نتعامل مع الألم في العالم؟

كيف نتعامل مع الألم في العالم؟

تأمُّل في لوقا 13: 1–5

بقلم: مايكل ﭙـاركر

ترجمة: ماريانا صموئيل كتكوت

وكان حاضرًا في ذلك الوقت قوم يخبرونه عن الجليليين الذين خلط بيلاطس دمهم بذبائحهم. فأجاب يسوع وقال لهم: “أتظنون أن هؤلاء الجليليين كانوا خطاة أكثر من كل الجليليين لأنهم كابدوا مثل هذا؟ كلا! أقول لكم: بل إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون. أو أولئك الثمانية عشر الذين سقط عليهم البرج في سلوام وقتلهم، أتظنون أن هؤلاء كانوا مذنبين أكثر من جميع الناس الساكنين في أورشليم؟ كلاّ! أقول لكم: بل إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون” (لو 13: 1–5).

قراءة أخبار من العالم كله عن تفشي ﭭيروس كورونا المعروف باسم كوﭭيد-19 تُذَكِّرنا بأننا جميعًا نشترك في بشرية واحدة. فالـﭭيروسات لا تحترم الأشخاص، ولا الجماعات العرقية، ولا الجنسيات، ولا الأديان. فكلنا في هذه الأزمة معًا. لكنَّ السؤالَ عن سببِ الألم ومعناه سؤالٌ حتمي عند المسيحيين. إنه السؤال الأزلي المتعلق بقضية الثيودسي theodicy (تبرير الله رغم وجود الشر والألم): كيف نصالح اعتقادنا في إله محب كلي المعرفة مع وجود الشر والمعاناة في العالم؟ لقد ساعدني في ذلك شخصيًا أن أقرأ مُجدَّدًا كتاب فيليـﭖ يانسي Philip Yancey “أين الله وقت الألم؟” Where Is God When It Hurts? (نسخة 1990 المُنَقَّحة). فاسمح لي أن أشارك القليل مما تعلَّمتُ وبعضًا من أفكاري بخصوص الموضوع.

لا تعطي أسفار الكتاب المقدس تفسيرًا موحَّدًا لقضية أصل الألم وأسبابه. ففي الواقع، يجد يانسي في أسفار الكتاب المقدس أربع إجابات لهذا السؤال. أولاً، في عدة مواضع يتدخلُ الله مباشرةً في العالم ليعاقب الأشرار. فمثلاً، في تكوين 38: 7 وجد الله عير شريرًا في عينيه، فأماته. ثانيًا، يُحَدِّثنا لوقا 13: 10–16 عن امرأة عانت من ضعف لمدة ثماني عشرة سنة بسبب روح، يُفتَرَض أنه روح شرير أو الشيطان. ثالثًا، أشار الرسول بولس إلى مرض جسدي بتعبير “شوكة في الجسد، ملاك الشيطان ليلطمني، لئلا أرتفع” (2 كو 12: 7). وأيوب أيضًا عانى بسبب هجمات الشيطان. في الحالة الأولى أَنْزَلَ الله العقاب على نحو مباشر. وفي الحالة الثانية، الشيطان أو روح هو مَن جَلَبَ الألم. وفي الحالة الثالثة أذَنَ الله للشيطان أو لروح أن يتسبب في الألم، لكنه سمح بذلك لتحقيق مقاصده.

أما الحالة الرابعة للألم، فقد وَجَدَ يانسي أنها كانت بسبب أفعال البشر الحمقاء: “مَنْ يحفر حفرة يسقط فيها، ومَنْ يدحرج حجرًا يرجع عليه” (أم 26: 27). وهو ما يعني أنك إن دخَّنْتَ، ستُزيد من احتمال إصابتك بسرطان الرئة. وإن أفرطت في تناول الطعام على نحو منتظم، ستصاب بالسمنة وتُعَرِّض صحتك للخطر. وإن لم تَلْزَم مكانك أثناء تفشي أحد الأوبئة، قد تصاب بالـﭭيروس وقد تنقله للآخرين. وإن لَوَّثْنا الهواء بأول أكسيد الكربون، والكلوروفلوروكربون، والجسيمات العالقة، علينا أن نتوقع أننا سنضر أنفسنا، والحيوانات، والمحاصيل الغذائية. فعندما تحدث أمور سيئة، غالبًا ما نميل إلى لومِ الله، إلا أن الكثير من معاناتنا– إن صَدَقْنا مع أنفسنا– يرجع لأفعالنا المتهورة. لقد خلق الله العالم بقواعد طبيعية معينة، ونحن نكسرها لضررنا.

إلا أن النموذج الذي ينطبق على الكثير من المعاناة في العالم الحديث هو الذي يَصِفه الرب يسوع في لوقا 13: 1–5. فقد سئل عن معنى حَدَثين وقعا منذ وقت قريب: ذَبْح مجموعة من إحدى الأقليات الدينية من الجليليين في الهيكل، وموت ثمانية عشر شخصًا عندما سَقَطَ عليهم برج سلوام. يعكس الأول ظلمًا سياسيًا. ويمثل الثاني حادثة مبانٍ. يبدو أنهما حادثتان عشوائيتان كان يمكن أن تقعا في أي وقت، سواء في القرن الأول أو القرن الحادي والعشرين. إلا أن يسوع لا يتناول قضية المسبِّب مباشرةً– أي هل الله هو المسؤول؟ لكنه يوضح أن ضحايا هذين الحادثين المأساويَّيْن لم ينالوا عقوبة عن خطايا محددة. فالجليليون الذين قُتِلوا بأيدي الرومان لم يكونوا أسوأ من غيرهم. ولم يكن ضحايا حادثة سقوط المبنى أكثر أو أقل جرمًا من أي شخص آخر في أورشليم. ثم يختم يسوع بتحذير: “… إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون” (لو 13: 5). وهو ما يعني أن هذين الحادثين المفجِعَيْن يذكراننا أن الحياة هشة ويمكن أن تؤخذ في أي لحظة. لذا، علينا جميعًا أن نستعد، بأن نحيا حياة التوبة والأمانة. ففي النهاية، كلنا سنفنى. إلا أن يسوع هنا لا يقصد الموت الجسدي بل الموت الثاني.

لكن لنَعُدْ إلى أحكامِ الله في الزمان. عندما يقع سوء، يميل الناس إلى طرح سؤال: “هل اقترفتُ شيئًا يعاقبني الله عليه؟” لكن النسخة الأكثر إيجابية لهذا السؤال هي: “ماذا يريدُ الله أن يُعَلِّمني من هذا الألم؟” وإن استمرت المشكلة بعد كثير من الصلوات، قد يستنتج البعض أن الشخص مُصِرّ على خطية معينة أو أنه ببساطة عديم الإيمان. ومَنْ يعتبرون الألم ناجمًا عن دينونة إلهية يستندون إلى الكثير من آيات العهد القديم حيث يعاقبُ الله شعب إسرائيل بسبب شر أفعالهم. إلا أن يانسي يشير إلى أنه في هذه الحالات يعاقبُ الله شعبه على نقضهم للعهد الذي قَطَعَه معهم، وهو ما يظهر في أفعال محددة يقومون بها. علاوة على ذلك، العقوبات لا تأتي إلا عقب إنذارات كثيرة على أفواه الأنبياء. ففرعون في الأصحاحات الأولى من سفر الخروج عَرَفَ على وجه التحديد سبب إنزالِ الله للضربات العشر على مصر، وبعد ذلك عرف بنو إسرائيل سبب سبيهم إلى بابل. إلا أن علاقة السبب والنتيجة هذه لا تنطبق على الألم في عصرنا الحديث. فمكافآتُ الله وعقوباته في العهد القديم كانت تنطبق على شعب مرتبط بالله في علاقةِ عهد صريحة، حيث كانت عواقب أفعالهم معروفة لهم مسبقًا. ولكن ليس هذا هو الحال اليوم. فضحايا تسونامي، أو تَحَطُّم طائرة، أو حادثِ سيارة لا ينالون عقابًا منصوصًا عليه مسبقًا في عهد إلهي. وهم لم يتجاهلوا سلسلة من التحذيرات النبوية التي تحثهم على تغيير سلوكيات مُعَيَّنة. فالمعاناة الشخصية اليوم لا تتفق مع هذا النموذج.

ويستخلص يانسي أنه لا يجب النظر إلى الألم والمعاناة في هذا العالم باعتبارهما قضاء من الله بسبب سلوكيات معينة كان يجب تصحيحها. لكن يجب رؤيتهما بوصفهما نتيجة لعالم ساقط سيسترده الله يومًا ما. لكن في الوقت الحاضر، كما يقول الرسول بولس “فإننا نَعَلَم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معًا إلى الآن” (رومية 8: 22). فحالة السقوط التي يعانيها هذا العالم وما يصاحبها من أمراض وكوارث طبيعية وموت، يُقصَد بها أن تُذَكِّرنا أن هذا العالم ليس قصد الله النهائي للبشرية، وأن عالمًا أفضل ينتظرنا. ففي الوقت الحالي، يستخدمُ الله الألم الحتمي في هذا العالم ليُوَصِّل لنا رسالة مفادها أنه علينا أن ننتبه إلى المعنى الأخلاقي والروحي لهذه الحياة. فلو أبقانا في

صورة بالقمر الصناعي لمقابر بهشت معصومة في مدينة قُم الإيرانية. ويُعتقَد أن الهدف من الخندق المحفور حديثًا أن يُستخدَم مقبرة جماعية لضحايا ﭭيروس كورونا.

 

فردوس كجنة عدن حيث لا ألم، فمن المستبعد أن ننتبه بحق لهذا المعنى. وقد تناول الكاتب البريطاني سي. إس. لويس C. S. Lewis هذه القضية في كتابه “مشكلة الألم” The Problem of Pain قائلاً إن “الألم يُصِرّ على أن نعيره انتباهنا. فالله يهمس لنا في مسراتنا، ويتحدث في ضمائرنا، لكنه يصرخ في آلامنا: إن الألم هو مُكَبِّر الصوت الذي يستخدمه الله ليوقظ عالَمًا أصم”.

عندما تقع حادثة مأساوية في الحياة، ربما يكون رد الفعل الطبيعي أن نسأل عن سبب حدوثها. لكن عندما يطرح أيوب هذا السؤال على الله، يمتنعُ الله عن الإجابة. إلا أنه يُلقي على أيوب حديثًا عن عجائب الكون (أي 38—41). فإن كان أيوب لا يستطيع أن يفهم هذه الأمور، ناهيك عن أن يأتي بمثلها، فمؤكَّد أنه لا يتمتع بالحكمة الكافية لتسيير الكون، وهو ليس في الوضع الذي يسمح له بأن يستجوب الله. ويبدو أن الله يقول إن الوضع الصحيح لأيوب لا يكمن في النظر إلى الخلف لاكتشاف سبب المشكلة. لكن مسؤوليته أن ينظر إلى الأمام بأن يختار كيفية تجاوبه مع الأزمة. وهذه هي أيضًا رسالة يسوع في لوقا 13: 5. بل إن بعض كُتّاب العهد الجديد يسيرون خطوة أبعد. فيعقوب يقول: “احسبوه كل فرح يا إخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة” (يع 1: 2). فيعقوب يؤمن أن تجارب الحياة تنشئ فينا صبرًا، يجعلنا ناضجين في المسيح. إلا أن هذا لا يعني أننا مطالبون بأن نَظْهَر سعداء وسط المِحَن. لكنه يعني أنه علينا أن ننظر إلى ما هو أبعد من المحنة لنرى الخير الذي يمكن أن يَخْرُج منها. وبولس أيضًا يكتب في رومية أن المؤمنين يتعلمون الصبر في الضيقات، والصبر ينشئ تزكية [شخصية أدبية راقية]، والتزكية رجاء (رو 5: 3–5). وبعبارة أخرى، الضيقات التي نختبرها في حياتنا يمكن أن تَكون أحداثًا إيجابية تُغَيِّر الحياة وتُحَوِّلها. وبعد أصحاحين يلخص بولس الفكرة بلغةِ إيمانٍ مؤثرة ومفعمة بالرجاء: “ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله، الذين هم مدعوون حسب قصده” (رو 8: 28).

إن رؤية الألم كمُكَبِّر صوت يستخدمه الله، أو القول بأن المآسي يمكن أن يكون لها جانب مضيء قد تبدو مفرطة التفاؤل في الوقت الذي يعاني فيه المرء من الألم. فمن الواضح أن هذه الأفكار يجب أن تُطْرَح بحرص وكياسة ورقة على أي شخص يمر بمحنة. لقد نُشِرَ كتاب لويس “مشكلة الألم” سنة 1940 عندما كان يبلغ حوالي اثنين وأربعين عامًا ويتمتع بكامل صحته. لكنه بعد إحدى وعشرين سنة ألَّفَ كتابه “ملاحَظة الحزن” A Grief Observed، بعد سنة من موت زوجته جوي ديـﭭيدمان Joy Davidman موتًا أليمًا بطيئًا من جراء سرطان العظام. والفارق بين الكتابين شاسع إلى حد يفوق الخيال. فالأول كان تمرينًا فكريًا يهدف إلى تبرير طُرُقِ الله للإنسان. أما الثاني كان صرخة احتجاج من القلب. فخبرة لويس في رؤية زوجته الحبيبة تموت موتًا بطيئًا مؤلمًا هزت إيمانه حتى النخاع وتركته في حالة من الترنح الروحي لِما لا يَقِلّ عن سنة كاملة. فالمعلم المسيحي العظيم، عندما جُرِّبَ مثل أيوب بالألم والفقد، بدأ يشك في صلاحِ الله وعدله. ومن تلك البقعة المظلمة، بدأ تدريجيًا يستعيد اتزانه الروحي، وأخذ يدرك مع مرور الوقت أن أفراح هذه الحياة منسوجة نسجًا دقيقًا مع آلامها. فإن أردنا إحداهما، علينا أن نقبل الأخرى.

وهكذا، مأساة ﭭيروس كورونا البطيئةُ الحركة التي نجتاز فيها حاليًا ستمتحن إيماننا أو إيمان القريبين منا لا محالة.

الأب سكوت هلمر في كنيسة القديس إدوارد المعترف الكاثوليكية في مريلاند بالولايات المتحدة الأمريكية يأخذ اعترافات الأشخاص من سياراتهم في ساحة انتظار السيارات الخاصة بالكنيسة، محتفظًا بمسافة مترين تقريبًا بينه وبين المعترف.

وعلينا أن نستعد لذلك. ومن المهم أن ننطلق من تعليم يسوع بأنه لا يجب النظر إلى المِحَن باعتبارها عقوبات من الله، بل إنذارات عامة للضحايا وللمشاهدين على السواء. علاوة على ذلك، أفضل رد فعل نقوم به قد لا يكون إلقاء أحاديث عن الثيودسي تبررُّ الله في مواجهة الألم، كما حاول هذا التأمل أن يفعل. فهذه الأحاديث لها مكانها، لكن في وسط الألم، يمكن أن تبدو الحجج المتعلقة بصلاحِ الله تسطيحًا للأمور، أو غيابًا عن الواقع، أو إفراطًا في التفاؤل. فعندما عَلِمَ أصدقاء أيوب بمحنته، يقول الكتاب “وقعدوا معه على الأرض سبعة أيام وسبع ليالٍ، ولم يكلمه أحد بكلمة، لأنهم رأوا أن كآبته كانت عظيمة جدًا” (أي 2: 13). ومؤكَّد أن هناك وقتًا لكلمات الحنان والحق المسيحي، لكن في البداية مجرد الوجود قد يكون هو كل ما يحتاجه المتألم أو يريده.

ويقول يانسي في بداية كتابه “عادةً ما نفكر في مشكلة الألم كسؤال نسأله لله، لكنها أيضًا سؤال يسأله لنا. فكيف نجيب المتألمين؟” في هذه المرحلة المبكرة من وباء ﭭيروس كورونا، معظمنا لم يصل بعد إلى اللحظة التي تتطلب منه تقديم إجابة للمتألمين. لكننا علينا جميعًا في الوقت الحالي أن نفكر في كيفية تجاوبنا مع أزمة ستُنتج، بكل تأكيد، قدرًا هائلاً من المعاناة البشرية. والسلوك الأكثر تحننًا وأخلاقية الذي يمكننا أن نمارسه بصفتنا مسيحيين أن نتبع تعليمات خبراء الطب: نمكث في منازلنا أطول فترة ممكنة، نحتفظ بمسافة اجتماعية، نهتم بالنظافة الشخصية، نشجع الآخرين على اتباع هذه الإرشادات.

إن عنوان كتاب يانسي يطرح سؤالاً مهمًا: أين الله وقت الألم؟ والإجابة: مؤكد أنه معنا، يسير معنا في ألمنا، يبكي معنا في حزننا. في هذه الأيام التي تسبق أسبوع الآلام، نركز على الألم والحزن، لكنها ليست الكلمة الأخيرة. فإيماننا إيمان القيامة. مجدًا للرب!