8 Elseka Elbida Abbasya
Cairo, Egypt
[email protected]
(202) 2482.0574

الحوار الأخير مع الدكتور عاطف مهنّي كعميد لكليَّة اللاهوت، قُبَيل تركه منصِبه

الحوار الأخير مع الدكتور  عاطف مهنّي كعميد لكليَّة اللاهوت، قُبَيل تركه منصِبه

القاهرة في 29 يوليو 2021

تولَّي الدكتور القس عاطف مهني إدارة الكليَّة في 1 يوليو 2000، بعد أن انتهى مِن رسالة الدكتوراه في اللاهوت عام 1999 في إسكتلندا. وقد ساهم مع زملائه خلال عشرين عامًا في تطوير الكُليَّة على كافَّة المُستويات: المُنشآت، البرامج، المناهج، واللوائح الإداريَّة المُنظِّمة للعمل. فى هذا الحوار الأخير قُبَيل تركه منصبه، يوضِّح د. عاطف التَّغيير والتَّطوير الذى أحدثه في الكُليَّة بنعمة الرَّب. وهل تركه ذلك المنصب إقالة أمْ استقالة؟ وهل كَسَر لائحة الكُليَّة في استمراره مدَّة 20 عامًا؟ وهل سيستمرّ دبلوما التُّراث العربي المسيحي أمْ سيتوقَّف؟ وأهم الدُّروس التي تعلَّمها خلال فترة إدارته للكُليَّة.

أجرى الحوار: م. عماد توماس

المحاور: د. عاطف، ما الذي تغيَّر في كليَّة اللاهوت خلال العشرين عامًا مُنذ توليك إدارة الكُليَّة؟ (على مُستوى المنشآت، البرامج، المناهج الدِّراسيَّة، أعداد ونوعيَّة الطُّلاب، أعضاء هيئة التَّدريس، اللوائح الإداريَّة المُنظِّمة للعمل)
د. عاطف:
على مُستوى المنشآت (مباني الكُليَّة…الخ)
خلفيتي كمهندس مدني، ساعدتني في التَّفكير بمنظور شامِل في تطوير مُنشآت الكُليَّة، والبدء بترتيب منطقي من خلال إصلاح البنية التَّحتيَّة أولاً، من تغيير شبكة المياه والصَّرف الصِّحي والتِّليفونات، والكهرباء ثم تطوير المباني الرَّئيسيَّة للكليَّة. لم تكُن هناك مكاتب للأساتذة، وتمَّ تطوير جميع مكاتب الموظفين والملعب والمطعم، بالإضافة إلى سكن الأساتذة ومبنى الطلاب ومكتبة الكلية وقاعة الاحتفالات وال Chapel.
كان الهدف الأول هو توفير بيئة عمل مُناسِبة لإنجاز العمل. والهدف الثاني هو الاهتمام بقيام المكان بوظيفته قبل الاهتمام بالبعد الجمالي، فمثلاً بالنسبة للمكتبة، لم تكُن الإضاءة جيِّدة، وكان هناك إزعاج من الضَّوضاء وأماكن الأمناء كانت وسط أماكن القراءة. فتمَّ معالجة كلِّ هذه الأمور.
على مُستوى برامج الكُليَّة
حدث تَّغيير نوعًي وكمّيً. فمِن حيث النَّوع: الفلسفة تغيَّرت، فقد تدرَّجنا من مفهوم التَّعليم Teaching الذي يلقِّن فيه الأستاذ طلاَّبه الدُّروس، إلى التَّعلم، حيث التركيز على فائدة المتعلمLEARING إلى التَّربيةEducation حيث هناك دور للمُعلم والمتعلم، إلى التَّشكيلTransformation حيث يتمّ تشكيل شخصيَّة الطَّالب خلال رحلة الدِّراسة على المستوى العقلي والمهاري والعلاقاتي والرُّوحي.
وعلى مُستوى الكمّ، كان لدينا في الماضي برنامج لتخريج القسوس، وبرنامج مسائي لتخريج العلمانيين، فبدأنا التَّفكير في إعادة تغليف المُحتوى اللاهوتي بأشكال متعددة تخاطب احتياجات الفئات المختلفة في الكنيسة، فأنهينا فكرة الانضمام للكليَّة بمؤهَّل مُتوسِّط، وقدمنا درجة ماجستير للقسوس. أما ماجستير المسائي، درجة الـ MAT فقد تمَّ تقسيمه إلى عدَّة تخصُّصات، مثل الدِّراسات الكتابيَّة والإرساليَّات والمشورة. وأضفنا درجات علمية أخرى مثل: ماجستير القيادة والإدارة MLM، وماجستير الإعلام والقيادة MML، ودرجة الماجستير في اللاهوت ThM وهي درجة علميَّة لاهوتيَّة ثانية. وحاليًا نعمل على قَدَم وساقٍ العام القادم لمنح درجة الدكتوراه DMin بالتَّعاون مع جامعة Fuller، ودرجة الـ PhDمع عدد من الكليات بالمطقة وجامع مرموق بهولندا.

المحاور: هل وجدتم مُعارضة في إضافة برامج أخرى؟
د. عاطف:
لا أستطيع أن أقول مُعارضة، لكن مجلس الكليَّة كبير من حيث القيمة والعدد، والحوار فيه يكون ثريًا جدًّا، فقد كانت هناك مُحاولة لفهُم الغرض من طرح برامج جديدة، مثل ماجستير الإدارة والإعلام، وفي النهاية كان هناك ترحيب وقبول، نظرًا لأهميتهما في دعم خدمة الكنيسة للمجتمع.
أمَّا على مُستوى المناهج الدِّراسيَّة والوسائل التَّعليميَّة المُتاحة:
فقد تعلَّمتُ كثيرًا خلال رحلة التطوير التي اجتزناها، والفضل يعود لزملائي الذين قادوا البُعد الأكاديمي، منهم الدكتور مجدي صديق، والدكتور هاني حنَّا، والدكتور دارين كنيدي، فكلّ مادَّة لابُد لمدرسها أن يعد لها syllabus (منهاج)، يحتوي على أهداف المادة على مُستوى الجانب المعرفي/الفكري، والتَوَجُّهي/الشُّعوري، والسُّلوكي/ المهاري، ثم النَّتائج المرجوَّة من هذه المادة، وطرق تقييم أداء الطُّلاب، وعلاقة المادَّة برسالة الكليَّة.
وأمَّا على مُستوى أعداد ونوعيَّة الطُّلاب الخريجين:
الإحصاءات تتحدَّث، ففي عام 2000 عندما تولَّيت إدارة الكليَّة كان لدينا 67 طالبًا وطالبة في جميع البرامج، وكان مسموحًا التَّقدم للقسم الصَّباحي بالثانوية العامة، بينما للقسم المسائي بالمؤهَّل العالي. الآن لدينا 510 طالبًا في جميع البرامج، جميعهم يحملون مؤهلاً جامعيًا. هذا يؤكِّد على وجود نموّ في الكمّ والكيف. وهناك اختبارات مُتعدِّدة ومُقابلات وتزكيات تطلب عن كل مرشَّح للالتحاق بالكليَّة. وللأمانة أقول إن لدينا نقص في أعداد الملتحقين ببرنامج اللاهوت والرِّعاية المؤهِّل للرِّسامة، وهذا الأمر محلّ دراسة، رغم وجود مئات الطُّلاب في باقي البرامج المتاحة للعلمانيين من أبناء الكنيسة. وأعتقد أنَّ بعض أسباب نقص أعداد المتقدمين لبرنامج اللاهوت والرعاية هي ضعف رواتب القسوس، وصعوبة أماكن الخدمة بالريف للأسر الحديثة، بالإضافة إلى وجود مناخ محبِط، للأسف، غير مشجع لخدمة الرِّعاية.

المحاور: هل النَّقص في الأعداد سببه قبول طلاب من أصحاب المؤهَّلات العُليا فقط؟
د. عاطف:
لا أعتقد أنَّ هذا هو السَّبب، فأتذكَّر في عام 2004 عندما تقدَّمتُ بطلب لمجلس الكلية بإنهاء قبول الطُّلاب بالثَّانويَّة العامَّة، كان هناك قلق لدى بعض أعضاء المجلس من تناقص أكبر في أعداد الراغبين في الالتحاق بالكلية. لكن حدث العكس، فزادت الأعداد. قناعتي الشَّخصيَّة أن هناك عوامل كثيرة، منها إذا قُمت بزيارة القرى في الصَّعيد ستجد أنَّ بعض مساكن الرّعاة غير آدميَّة، وانخفاض مُستوى المدارس في معظم القرى يمثل عقبة لأبناء القسوس صغار السن، وغير ذلك من أسباب.
على مستوى أعضاء هيئة التَّدريس:
جميع أعضاء هيئة التَّدريس أخذوا فُرصة للدِّراسة، سواء في مرحلة الماجستير أو الدكتوراه في أعرق الجامعات في أمريكا وإنجلترا وإسكتلندا. فدرجة الدكتوراه الأكاديمية الحقيقية PhD غير مُتاحة في مصر حتى الآن. عندما عدت من إسكتلندا في نهاية عام 1999 كنتُ الوحيد في تلك الفترة الحاصِل على درجة الدكتوراه PhD في اللاهوت. وبعدها حصل عدد كبير من أعضاء هيئة التدريس وخريجي الكلية على هذه الدرجة.
على مستوى اللوائح الإداريَّة المُنظِّمة للعمل:
قُمنا بتطوير جذري في لائحة النظام الأساسي للكلية عام 2008، تحت قيادة د. ق. مكرم نجيب رئيس مجلس الكليَّة آنذاك، و أ. د. عماد رمزي الذي كان يرأس اللجنة الإداريَّة المعنيَّة باللوائح. لقد استقدمنا خبراء في التَّعليم اللاهوتي من الخارج، لنعرف ونتعلَّم منهم كيف تُدار كليَّات اللاهوت عالميًا، من أجل وضع أفضل المعايير المنظِّمة للعمل، وتعميق رسالة الكليَّة وضمان تحقيقها. وقد أدى ذلك إلى وضوح رؤية الكلية وأهدافها وهويتها وتبعيتها وتوجهها اللاهوتي المشيخي المصلح.
لقد كان لدينا في لوائح سابقة تضاربًا كبيرًا في العلاقة بين الإدارة ومجلس الكلية، وهي مشكلة متجذرة في معظم مؤسسات المجتمع المصري. فالمجلس ليس معنيًا بالتفاصيل التَنفيذية ُالتي تهدر الكثير من الوقت الذي يجب أن يذهب للخُطط الاستراتيجيَّة والسِّياسات العليا، والحَوكَمة. فقمنا بفضِّ هذا الاشتباك، ووضعنا لوائحًا وقواعد منظِّمة للمناقصات، والمشتريات والبعثات، واستخدام مباني وقاعات الكلية،… الخ. فكل عمل روتيني مُتكرِّر، أصبح له قواعد منظِّمة لا يمكن العمل بدونها.

المحاور: ماذا يمثِّل لك اعتماد عدد مِن برامج الكليَّة من المجلس الأوربي للتَّعليم اللاهوتي؟
د. عاطف:
كلّ البرامج اعتُمِدت ماعدا برنامج الإدارة والقيادة، وهو في طريقه للاعتماد. اعتبر ذلك الاعتماد هديَّة للكنيسة في مصر. هذا الاعتماد يُسهِّل للخرِّيجين الالتحاق في دراسات أعلى في جامعات مرموقة، في أوربا أو أمريكا أو أستراليا وغير ذلك، دون عمل مُعادلة. فالشَّهادة مُكافِئة للشَّهادات الأوربيَّة.
ويعتبر الاعتماد لبنة أساسيَّة، وخطوة على طَّريق الجودة التي لا تنتهي، فهذه الرُّخصة يتمّ تجديدها كلّ خمس سنوات، فلابدَّ من التَّطوير المستمرّ.

المحاور: هناك أشياء يفتخر بها كلّ مَن تولى منصبًا في الكليَّة بعد تركه موقعه، مثلاً: في عام 1967 تمَّ افتتاح القسم المسائي في الكليَّة. وعام 1970 تخرَّجَت أوَّل سيدة مصريَّة تحمل درجة البكالوريوس في العلوم اللاهوتيَّة.. الخ. فما الشَّيء الذي يمكن أن تفتخر به ويُنسَب إلى الفترة الزَّمنيَّة التي أدَرْتَ فيها الكُليَّة؟
د. عاطف:
مِن السَّهل الإشارة إلى أشياء ملموسة مثل تطوير المنشآت، لكن بالنسبة لي فأنا أشعر أن اكثر إنجاز اعتز به هو الجديَّة في التعامل مع رسالة الكليَّة ومسئوليتها نحو الكنيسة، وعدم التَّشتُّت عنها رغم كثرة الضُّغوط والتحديات، والابتكار في التَّنفيذ. فالكُليَّة وُجِدت من أجل خدمة الكنيسة في إعداد قساوسة وقيادات علمانيَّة. ولو حدث تقييم مُنصف في يوم من الأيَّام، سواء لما حدث من تأهيل الأساتذة وتطوير المناهج لخدمة كل فئات الكنيسة، وغير ذلك من أنشطة، سنجد أنَّ هدفي الأساسي كان بالفعل هو خدمة الكنيسة.

المحاور: هل فكَّرت في التَّوسُّع من ناحية المنشآت خارج نطاق الكُليَّة؟
د. عاطف:
كان لديَّ صراعٌ في ذلك الأمر. كان التَّشتُّت في الحصول على مكان خارج القاهرة، وترك هذا المكان في وسط البلد، يمثل تحديًا كبيرًا، وفى النِّهاية فضَّلتُ التَّركيز هنا. وهناك فرص لا تنتهي للتَّوسُّع الأفقي أمام زميلي القادم في إدارة الكليَّة. لذلك، لم أندم على التَّركيز في هذا المكان.

المحاور: ما الملف الذي كنتَ تتمنَّى إنجازه ولم يتحقَّق لك ذلك؟ 
د. عاطف
ربما كنت أتمنى أن تبدأ الكلية في منح درجة الدكتوراه (PhD & DMin) قبل تسليم مسئوليتي لأني تعبت فيهما كثيرًا، لكن ظروف الجائحة أخرت أمور كثيرة. لكني متأكد أن تحت قيادة د. هاني سينتهي هذا الملف بأفضل صورة.

المحاور: من الشَّائع أنَّ فترة تولى أيّ شخص إدارة الكليَّة هي (فترتَيْن مُتتاليتَيْن)، لماذا ظلَّ د. عاطف لعشرين عامًا في إدارة الكليَّة؟ هل خالَفْتَ بذلك لائحة الكليَّة؟
د. عاطف:
لائحة الكليَّة لا تنص على إن الفترة مدَّتَيْن، لكن عن أربع سنوات قابلة للتَّجديد بعد تقييم الدَّور، ومُحدَّد سِنّ التَّقاعد في المناصب الإداريَّة للعميد والوكلاء حتى 65 سنة. فأنا لم أخالِف اللائحة، بل كان لدي التجديد لفرصة أخيرة حتى الوصول لسن الـ 65 سنة. فاللائحة تفرَّق بين نوعين من المدد، الأول: العمل التَّطوعي (مثل عضوية المجالس) والذي يحدِّده السّنودس بفترتَيْن، كلّ فترة أربع سنوات. والثاني: هو العمل التَّنفيذي في الإدارة. وعالميًّا يوجد ما يُسمَّى بالفترة المفتوحَة التي تطبَّق على الأساتذة tenure، فيتحوَّل عقد الأستاذ أو العميد من مُؤقَّت إلى دائم. (ملحوظة: سلمني د. عاطف ملف كامل يحتوي على عشرات من أسماء عميدي الكليَّات في الخارج، أمضوا أكثر من عشرين وثلاثين عامًا في الإدارة).
وفي عام 2012 تقدَّمتُ إلى مجلس الكليَّة بطلب الاكتفاء بالفترة الماضية، ورغبتي في العودة للتَّدريس كل الوقت، لكن المجلس أصرَّ على استمراري بعد تقييمٍ إدائي حسب اللائحة.
وفي عام 2016 تقدَّمْتُ أيضًا بطلب مُماثل، وطلب المجلس أيضًا استمراري لظروف داخليَّة مُختلِفة. وصمَّمت على أن تكون هذه هي المدة الأخيرة لي، بصرف النَّظر عن عدم وصولي لسِنّ التَّقاعد (65 عامًا).
وفى عام 2018 تقدَّمتُ بخطاب تذكير للمجلس بأنَّ هذه هي الفترة الأخيرة، ولن أجدِّد. وقد قَبِل المجلس طلبي بمحبَّة، وطلبت وقتها البَدء في خطوات اختيار العميد الجديد، وبالفعل تم اُختيار الدكتور القس هاني حنا عميدًا للكلية على أن يبدأ عمله بعد عودته من الإجازة الدراسية أي في 1 أغسطس 2021. فليست هناك مُخالفة للوائح.

المحاور: في ضوء ما سبق، هل ترك موقع إدارة الكليَّة إقالة أم استقالة؟
د. عاطف:
ليسَت إقالة ولا استقالة، فلو كانت إقالة فربَّما لم تكُن تستطيع أن تُجري معي هذا الحوار في مكتب العميد. وهي ليست استقالة، لأنَّها في نهاية فترة، ويحقّ لي التَّجديد، ولكني أريد أن أعود إلى العمل الأكاديمي. فالإدارة تستزِف مِن العميد وقتًا طويلاً، فلم اكتب إلاَّ كتابًا واحدًا، وشاركت في تحرير التفسير العربي المعاصر، وكتبت تفسيرًا لسفر واحد، ونشرت عدَّة مَقالات مُتناثرة، وهي أعمال قليلة بالنسبة لما أحلم به.

المحاور: ما هي رسالتك للعميد القادِم د. هاني حنا؟
د. عاطف:
د. هاني هو تلميذي، والآن هو صديقي وشريكي الذي افتخر بأنَّني خدمت معه، ورأيتُ تقدُّمه ونجاحه، فلديه اتِّساق أخلاقي واستقامة روحيَّة. مِن حيث العِلم، فهو مؤهَّل أكاديميًّا، هو أحد أبرز عُلماء اللاهوت النِّظامي، ولديه رؤية وصاحب فِكر. ولا يوجد ما يفوق سعادتي وأنا أسلِّم مهمَّة قيادة الكلية بعد هذا العمر لشخص أثقُ في أنَّه سيأخذها لخطوات أوسَع وأرحَب لخدمة الكنيسة والمجتمع. فقط أقول له: “لا تخف، لا تتراجع عن الرؤية أمام المحاربات والتحديات، ثق أن الرب إلهك معك حيثما تذهب”.

المحاور: سوف تتولَّى إدارة مركز دراسات مسيحيَّة الشَّرق الأوسط بعد تركك موقِع عمادة الكليَّة، ألا ترى ذلك نوعًا من الانتقاص من قيمتك؟ فالوزير، مثلاً، بعد تركه منصبه لا يقبل أن يصير مُحافِظًا؟
د. عاطف:
أشعر أنَّ الله يعطيني فرصة ذهبيَّة، أتمنى أن أنجح فيها في تغيير هذا الفِكر. فعلى المستوى الأكاديمي لا يوجَد أعلى من قيمة الأستاذ. وعلى مُستوى الخدمة نحن نسأل الطَّالب عند انضمامه للكليَّة عن مدى جديَّته في قبول دعوة الله له في أي مكان، ولو كان قرية نائية. فيجب أن نكون متَّسقين مع أنفسنا، فالمناصِب لا يجب أن تصنعنا. فأنا أنتظِر يوم 1 أغسطس 2021 لخدمة الكليَّة مِن موقع جديد مُختلِف.

المحاور: ما هي رؤيتك المستقبليَّة لمركز دراسات مسيحيَّة الشَّرق الأوسط؟
د. عاطف:
أنْ أبني على ما قام به الدكتور وجيه يوسف، وأحافظ على أهداف المركز الذي أُنشئ مِن أجلها، وهي:
أولاً: تعريف مسيحيي مصر بتُراثهم القبطي العربي الشَّرق أوسطي الغني. ومع أن هوية كنيستنا وكلية مشيخية، بدأت مع مجيئ الإرساليات عام 1854، إلا أن جذورنا كمسيحي مصر عميقة تمتد إلى القرن الأول الميلادي.
ثانيًا: البُعد المسكوني من خلال تعميق دراسة التُّراث المشترَك بين الكنائس المسيحيَّة في مصر مِن خلال المشاركة في نَّدوات ومؤتمرات ودراسات علمية.
ثالثًا: العلاقات المسيحيَّة الإسلاميَّة، فهي عندي ليست مُجرَّد لقاءات في مُناسبات شكليَّة، لكن لدينا جديَّة للفَهْم المشترك بين شركاء الوطن من خلال مشاركة عدد من إخوتنا المسلمِين بكل جدية واحترام في أنشطتنا المختلفة بما في ذلك دبلومة التُّراث العربي المسيحي، فالإنسان صديق مَن يعرف وعدوّ ما يجهل.
رابعًا: ما دمنا كنيسة ترجع جذورها إلى القرن الأول الميلادي، فما هي إسهاماتنا للكنيسة العامَّة الغربيَّة؟ لماذا ننتظر تفاسيرهم وكتاباتهم اللاهوتية فقط؟ لدينا تراث عريق مثل دراسات آباء مدرسة الإسكندريَة، أول مدرسة لاهوتيَّة في العالم. وعلينا مسئولية تفسير الكتاب المقدس من وجهة نظر شرق أوسطيَّة.
لقد كان الدكتور “كينث بيللى الذي قضى نحو أربعين سنة في الشَّرق الأوسط أحد الحالمين الرَّئيسيِّين في إنشاء هذا المركز، ، وكان لديه نوع من العتاب. فكان يقول لي أنتم ثقافتكم شرق أوسطية والمسيح عاش في الشَّرق، فهل تريدون من الغرب أن يعلِّموكم تفسير الكتاب المقدس؟ أشعر أنَّنا قصَّرنا في حقِّ أنفسنا في دراسة تُراثنا، فيجب أن يكون لدينا إنتاج نهديه للكنيسة الغربية.

المحاور: هل ستستمرّ دبلوما التُّراث العربي المسيحي، التي لاقت نجاحًا منذ طرحها؟
د. عاطف:
الدّبلوما لم تتوقَّف، لكنَّها تحوَّلت في السَّنة الأكاديميَّة الأخيرة إلى أونلاين، بسبب ظروف كورونا. وتخرَّجت الدّفعة الثَّالثة مع احتفال التَّخرُّج في أبريل 2021. وسيتمّ تطوير الدّبلوما، والتَّركيز أكثر على البُعد الكتابي واللاهوتي النِّظامي، وسيتم باب فتح الالتحاق بها في أقرب وقت.

المحاور: ما هي الدُّروس المُستفادة خلال 20 سنة من إدارتك للكليَّة؟
د. عاطف:
قدِّم كلّ ما تعمله للرَّب لا للنَّاس.
احتَرِم دورك واحترم أدوار الآخرين (سواء زُملاء أو مجلس يرأسك).
العمل الجماعي يحمينك كقائد من إظهار ضعفك في نقاط كثيرة، أنت غير مُتخصِّص فيها. فلا يمكن أن تكون خبيرًا ماليًّا واقتصاديًّا وإعلاميًّا، وأكاديميًا، وإداريًا في نفس الوقت. إن وجود تخصُّصات أخرى حولك تحميك من ضعفك.
عندما يُحقِّق الله النَّجاح في نقاط ضعفك، فاعلَم أنَّها يد الرَّب. وقد حدث هذا كثيرًا في حياتي.
قوَّة التَّواصُل مع الكنيسة له تكلِفة، لكنَّه يستحقّ. ففي العمل العام يرى كلّ من تخدمه أن له رأي وأنه صاحب قرار وعادة ما يعتقد أنَّ قراره هو الأصحّ.
منظومة النَّجاح تبدأ مِن الله، ثم اختيار القائد المناسب، ثم توافر فريق العمل المُناسِب، ثم تأتي الرُّؤية، ثم الإمكانيَّات. هذا التَّرتيب تعلمته في حياتي بصعوبة.