8 Elseka Elbida Abbasya
Cairo, Egypt
[email protected]
(202) 2482.0574

أول حوار مع الدكتور القس هاني حنَّا، العميد الجديد لكلية اللاهوت الإنجيلية في القاهرة ETSC

أول حوار مع الدكتور القس هاني حنَّا، العميد الجديد لكلية اللاهوت الإنجيلية في القاهرة ETSC

أول حوار مع الدكتور القس هاني يوسف قسطندي حنَّا

العميد الجديد لكلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة ETSC

 

* وُلِدَ د. ق. هاني حنا في مدينة المنيا عام ١٩٧٠. تزوَّج من السَيِّدة لوسي ولسن. ولهُما ابنة “سلمى” وابن “يوسف”. حصل على بكالوريوس الهندسة عام ١٩٩٢، ثمَّ عَمِلَ مُهندسًا لبضع سنوات. التحَق بكليَّة اللاهوت الإنجيليَّة في القاهرة ETSC، وحصل على درجة البكالوريوس في اللاهوت عام ٢٠٠١، ورُسِمَ قِسًّا إنجيليًّا مشيخيًّا في نفس العام. وحصل عام ٢٠٠٣ على درجة الماجستير في علم اللاهوت النِظامي من جامعة ييل – الولايات المُتحدة. ثم حصل عام ٢٠١٣ على درجة دكتوراه الفلسفة في علم اللاهوت النِظامي، من كليَّة لاهوت پْرِنْسْتُون – الولايات المتحدة. وتَخَصَّصَ في عِلْمِ اللاهوت الحديث. له مؤلفات لاهوتية بالعربية والإنجليزية. خدم منذ ٢٠٠١ عضوًا بهيئة التدريس في قسم اللاهوت والتاريخ في ETSC. وخَدَمَ كوكيل الشُّؤون الأكاديميَّة في ETSC من عام ٢٠١٣ إلى ٢٠٢٠. وتَوَلَّى عِمَادَةَ الكليَّة بدايةً من ١ أغسطس ٢٠٢١.

* في هذا الحوار نتعرَّف على العميد الجديد، ونشأته ودراساته ودوافع توجُّهه للتَّعليم اللاهوتي، وأهمّ المبادئ اللاهوتيَّة التي يعتنقها، ورؤيته في إدارة الكليَّة، وغيرها من الأسئلة.

حاوره: م. عماد توماس

المحاور: أين وكيف كانت نشأتك؟

د. هاني:

وُلِدْتُ في مدينة المنيا عام ١٩٧٠ في عائلة إنجيليَّة مشيخيَّة. لقد نشأتُ في الكنيسة الإنجيليَّة الثانية بالمنيا. ووالدي كان شيخًا في الكنيسة نفسها. تخرَّجت في كليَّة الهندسة – جامعة المنيا عام ١٩٩٢. ثمَّ عملتُ مُهندسًا لبضع سنوات، في القطاعين العام والخاص وأيضًا في العمل الحر. التحقتُ بالقِسم المسائي في عام ١٩٩٧. وبعد عامين، التحقتُ بالقسم الصَّباحي، وتَفَرَّغْتُ للدِرَاسة والخدمة. وتخرَّجْتُ من ETSC عام ٢٠٠١.

المحاور: ما الدَافع الذي جعلك تترك مهنة مربحة كالهندسة، وتتَّجه للتَّعليم اللاهوتي؟

د. هاني:

* الإجابة المباشرة والقصيرة على سؤالك هي: دعوة الله لي. وهذه الدَعوة لها قصة تشمل أشخاص محوريين أهمهم أبي، وزوجتي، وبعض قادتي بالكنيسة وَهُمْ د. ق. فايز فارس وق. محروس حبيب وش. أ. عدلي غطاس وش. أ. ولسن رمزي وش. أ. يوسف ناثان وش. د. ماجد مرقس، وبعضُ أصدقاء العُمر وهُمْ ش.م.عبد السيد يعقوب وأ.مايكل محروس. فارتباطي بالكنيسة مُنذ الصِغَر، واهتماماتي الشَّخصيَّة، ومشورة قادتي وأصدقائي، ودَعم زوجتي، كُلّها كانت بمثابة إرهاصات نحو اتخاذ خطوة الالتحاق بالكليَّة.

  • في البداية كنتُ أحبّ القراءة، خاصة في الفلسفة والأمور المرتبطة بموضوع الألم. وكنتُ أخدُم ولم أكن أرى في البداية ضرورة للتَفرُّغ للخدمة. لكن في مرحلة مُعيَّنة في حياتي، شعرتُ بدعوة الله من خلال إلحاح داخلي ارْتَبَطَ برؤيةٍ لتسديد احتياج خاص ببناء خدام الكنيسة. وقد صاحب هذا الإلحاحَ تشجيعٌ من قادتي الروحيين ثم من زوجتي. قبل الالتحاق بفريق الخدمة بكلية اللاهوت، كانت خدمتي في مَجَالات العبادة والتعليم وتدريب الخدام. ورأيتُ أن الخدمة بكلية اللاهوت هي التَحَقُّق الأعظم لرؤيتي في الخدمة من نحو التعليم وتدريب الخدام. ومازالت رؤية بناء الخدام وتطويرهم تُشَكِّلُ أحلامي.

المحاور: كيف كانت رحلة الدِراسة في الكليَّة؟ وهل فقدتَ الشَّغف أثناء الدِّراسة؟

د. هاني:

لم أفقد شغفي في دراستي في الكليَّة، بل العكس هو الصحيح. قبل انضمامي للكليَّة، لم أكُن أتوقَّع قَدْرَ الاستفادة الكبير من دراستي للاهوت. إنَّ فكري وحياتي تَشَكَّلَا كثيرًا أثناء دراستي اللاهوتية في مراحلها المختلفة. فقد تَكَوَّنَت لدي إجابات لأسئلة عديدة كنتُ مشغولًا بها. وهناك قناعات إيمانية هامَّة تَعَمَّقَ فهمي لها. كما تَكَوَّنَت لدي أسئلةٌ جديدة دفعتني للمزيد من البحث والدراسة. هذا بالإضافة إلى أنَّ البُعد الجماعي، الذي يميز الدراسة اللاهوتية، كان عاملًا أساسيًّا في الاستمتاع بالدراسة. فالحوارات مع زملاء الدراسة كانت مشبعة ومُتَحَدِّية، كما إنها ساعدتني على تكوين علاقات صداقة مستمرة حتى الآن. أستطيع أن أقول إنَّ فترة الدِّراسة اللاهوتية كانت فترةً حَيَوِيَّةً جدًّا بالنِسبة لي.

المحاور: هل صحيحٌ أنَّ الدِّراسات اللاهوتيَّة تُفقد الإنسان مُتعة الإيمان، أو تُقلِّل من درجته؟

د. هاني:

أستطيع أن أؤكِّد أن العُمق الإيماني لديَّ ازداد. إنَّ الإيمان الحقيقيّ ينمو بالثقة في الله وطاعته، وبالمعرفة الفكرية الصحيحة عن الله، وبالشهادة الشاكرة لله. مَن يتجاهل أحَدَ هذه الأبعاد الإيمانية الثلاثة، يَفتر إيمانُه حتى لو كان يعيش كل اليوم في الكنيسة. ومع أن علينا تشديد إيمان بعضنا البعض، على كل منا مسؤولية شخصية نحو ملاحظة النفس، ونحو عدم التعثر من التَحديات التي تُرْهِقُ الآخرين في رحلة إيمانهم، ونحو التوبة عند الخطأ، ونحو حفظ وحدة الجَسَد. وإنَّ الدراسة في كلية اللاهوت تتضمن دراسات روحية ورعوية وعملية، كما تتضمن فترات عديدة للعبادة والشركة والصلاة. وهكذا فإنَّ الدراسة اللاهوتية، بأبعادها الكتابية والعقيدية والتاريخية والعملية والروحية، هي فرصة هائلة للنمو في أبعاد الإيمان الثلاثة.

المحاور: بعد تخرُّجك من كليَّة اللاهوت الإنجيليَّة، واصلتَ الدِّراسة وحصلتَ على درجتيّ الماجستير والدكتوراه، متى وأين؟ وما عنوان الرِّسالة؟

د. هاني:

حصلتُ في عام ٢٠٠٣ على درجة ماجستير في علم اللاهوت النِظامي من جامعة ييل – الولايات المُتحدة. ورجعت للتدريس بالكلية لفترة. ثمَّ حَصُلْتُ عام ٢٠١٣ على درجة دكتوراه الفلسفة في علم اللاهوت النِّظامي مِن كليَّة لاهوت پْرِنْسْتُون – الولايات المتحدة. تَخَصُّصي الدراسي هو في عِلْمِ اللاهوت الحديث في الغرب. موضوع رسالة الدكتوراه كان مقارنة بين المُفَكِّر اللاهوتي السويسري الإنجيلي المَشْيَخِيّ “كارل بارت” والمفكر اللاهوتي المصري/القبطي الأرثوذكسي “متَّى المسكين“، حول العقيدة عن المسيح.

المحاور: ماهي المواد الدِّراسيَّة التي تقوم بتدريسها فى الكليَّة؟ وما هى المَوضوعات اللاهوتيَّة التي تهِمُّك؟

د. هاني:

أقوم بتدريس بعض المواد، منها” علمَ اللاهوت النظامي“ و”الخْرِيسْتُولُوجْيا“ و”فلسفة الدِين“ و”الأخلاق“. أمَّا المَوضوعات اللاهوتيَّة التي تهِمُّني فهي: الفكر اللاهوتيّ القويم في ظلِّ الحداثة، والفِكر اللاهوتيّ المسكوني، والفِكر اللاهوتي والحضارة.

المحاور: لماذا اتَّجَهْتَ لعِلمَ اللاهوت النِّظامي رغم صعوبته؟

د. هاني:

أعتقد أنه لا يوجد ما هو سهل أو صعب في حد ذاته أو بشكل عام. أعتقد أنَّ الأمر مُرتبط بشكل رئيسي باهتمام الإنسان وتكوينه الفكري. فحُبِّي للفلسفة، واهتمامي بأسئلة لها طابع فلسفي، ودراستي للهندسة التي تشجع على التفكير المنطقي والمنظم، كل ذلك حركني نحو التركيز على علم اللاهوت النِظامي الذي يتطلبُ التَفكيَر المنطقيّ والمَنظُوميّ.

المحاور: ما هي أهمّ مبادئك اللاهوتيَّة؟ وكيف تطوَّرت؟

د. هاني:

* الإجابة القصيرة والمباشرة هي:” المسيح هو المفتاح“. وهذا قد يبدو قولًا بديهيًّا لأيِّ شخص مسيحي. لكنَّ هذه الحقيقة أحيانًا لا تكون راسخة أو واضحة بشكل كافٍ في ذِهننا. لذلك، نحتاج دائمًا أن ننمو في اعتناق هذا الفِكر. فالمسيح هو المفتاح الأصيل للمعرفة الحقيقية عن الله وعن الإنسان. ووالدي ساعدني على اعتناق هذه الفكرة، وذلك بشهادته عن المسيح خلال خبرة ألم مرت بها العائلة لفترة طويلة. وأيضًا ساهم آخرون في كنيستي في إنضاج هذا المبدأ إذ تَمَثَّل فيهم المسيحُ بطرق متنوعة. ووصل الأمر للقمَّة أثناء دراستي بكليَّة اللاهوت. وهذا حدث أثناء قراءة كتاب لاهوتي ضمن فروض إحدى المواد. ومنذئذ، صار مبدأُ محوريَة المسيح حاكمًا لدراستي اللاهوتية وتعليمي الأكاديمي وإيماني الشخصي. إنَّ هذا المبدأ أصيلٌ في التراث المصلح. لكن اعتناق هذا المبدأ فكريًّا وعمليًّا هو أمرٌ يحتاج إلى رحلة من الثقة والفهم والصَلاة والتَوبة والخدمة. وهذا المبدأ يشكلُ مفهومي عن الله باعتباره واحدًا ثالوثًا، ومفهومي عن الإنسانية باعتبارها مخلوقة على صورة الله، ومفهومي عن الكنيسة باعتبارها جسد المسيح، ومفهومي عن العالم باعتباره مخلوقًا في المسيح.

المحاور: ما هي أبرز المؤلَّفات اللاهوتيَّة لك؟ وألا تخشى أن انشغالك في إدارة الكليَّة لا يعطيك وقتًا للإنتاج اللاهوتي؟

د. هاني:

* رسالة الدكتوراه نُشرت بالإنجليزية في الولايات المتَّحدة سنة ٢٠١٩، بعنوان تَرْجَمَتُه العربية: الخريستولوجيا في فكر كارل بارت ومتى المسكين.

وهناك مقال نُشِرَ بالإنجليزية في ٢٠١٨ بعنوان تَرْجَمَتُه العربية:” الفكر اللاهوتي عن الكنيسة في الشرق الأوسط“، وذلك في موسوعة نُشِرَتْ في الولايات المتحدة عُنوانُها تَرْجَمَتُه العربية: موسوعة المَسِيحية في الجنوب العَولَمِيّ.

كما شاركتُ بفصل في كتاب. عنوان الفصل:” الإصلاح: ماضٍ ومُسْتَقْبَل“، وقد نُشِرَ بالعربية في كتاب عنوانه: مُحاضرات عن الإصلاح الإنجيلي بالقاهرة عام ٢٠١٧.

وهناك فصل في كتاب نُشر في إيطاليا في ٢٠١٦. الفصل بعنوان تَرجَمَتُه العربية:” الكتاب المقدس في فكر متى المسكين“، وذلك في كتاب بعنوانٍ تَرْجَمَتُه العربيةُ: متى المسكين: أبُ بَرِّيَّةٍ مُعَاصِرٌ.

وهناك فصل بعنوان: “محورية المسيح في التعليم اللاهوتيّ”. وهو أحد فصول كتاب حول التعليم اللاهوتي بالشرق الأوسط. وسيُنشر الكتاب بالعربية خلال شهور.

كما إن هناك كتاب بعنوان: فلسفة الدين المسيحي. وسيُنشر بالعربية في لبنان خلال عام.

* أحدُ أحلامي هو الاستمرار في إنتاج مؤلَّفات لاهوتية أكاديمية تخدم قادة الكنيسة وتكون سبب بركة للكنيسة والمجتمع والإنسانية. فالإنتاج الأدبي الفكري هو الأكثر بقاءً. وبالطبع أخشى أنَّ المسؤولية الإدارية قد تؤثر سلبيًّا على تحقيقَ هذا الحلم. ولذا جُزءٌ أصيلٌ من رؤيتي أن يكون هناك نوعٌ من القَصْدِيَّة نحو هذا الشأن، إذ إنَّ الإنتاج الأدبي الأكاديمي يحتاج إلى تخطيط ومجهود ووقت. وهذا الحلم مُرتبطٌ أيضًا بزملائي من الأساتذة. والتعاون المشترك بين فريق العمل سيساعدنا جميعًا على الاستمرار في إنتاج مؤلفات لاهوتية.

المحاور: في رأيك، ما الفرق بين دراسة اللاهوت في الشَّرق عن الغرب؟

د. هاني:

هذا سؤالٌ واسعٌ جدًّا، دعني أوجِز بعض التَعليقات في نقاط:

أولاً: نحن، كإنجيليين نعيش في الشَّرق الأوسط، لنا هُوِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ. وذلك لأنَّنا ننتمي للتُّراث المُصلَح الذي جذوره حركة الإصلاح التي بدأت في أوروبا في ق١٦م، وفي نفس الوقت ننتمي لسياقٍ شرق أوسطي بلغته وتاريخه وظروفه وإمكاناته وتحدياته. وهذا التركيبُ يُشِيرُ إلى ثَرَاءٍ في الهُوِيَّة.

ثانيًا: هناك تشابه بين الفكر اللاهوتيّ الغربي والشَّرقي في كونهما فكرًا لاهوتيًّا، أي هو تَفكير بشأن الله. كما إنَّ هناك تَشَابُهًا بين الإنسان الغربي والشرقي اللذان يقومان بالتفكير اللاهوتيّ. فالبشر يواجهون تَحديات مشتركة في كل مكان، مثلًا الفقر والمرض والموت، بصرف النَّظر عن أسباب وظروف هذه التحديات في كل مكان. كما إنَّ لهم أحلامًا مشتركةً، مثل العدل والحرية وتحقيق الذات.

ثالثًا: هناك اختلافات مرتبطة بحجم ونوع التحديات وتاريخها وكيفية تناولها. نحن لدينا تراث قديم من التحديات، مثلًا في طريقة التَّعليم والتعلُّم. فطريقة التعليم، وتَنَاوُل التحديات المرتبطة به، مختلفةٌ بين الغرب عن الشَّرق. وهذه الاختلافات ناتجة من التمايز التاريخي بين الشرق والغرب.

رابعًا: إنَّ الفرق الأساسي الذي لاحظته -بدون تعميم- في مصر هو أنَّ الدّراسة اللاهوتيَّة تتشكَّل بِوَازِعٍ تَقَوِيٍّ شخصيٍّ أكثر بكثير من الوازِع الأكاديميّ والوازع المُجْتَمَعِيّ العَلَنِيّ. والجانب الشخصي التَقَوِيُّ جانبٌ هامٌّ ويَجِبُ التَنْبِيرُ عليه دائمًا في التعليم اللاهوتيّ. لَكِنَّ ضعف الوازِعَين الأكاديمي والمجتمعي يتسببُ أحيانًا في نَوعٍ مِنَ السطحية الفكرية والانعزال المجتمعي والتَزَمُّت الدِينيّ، الأمر الذي يؤدي أحيانًا إلى العنف اللفْظِيّ والتعصب الطائفي أو المذهبي وبالتالي ضعف الشهادة المسيحية. في الغرب بصفة عامة، الانعزاليَّةُ المجتمعيةُ أقلُّ من نظيرها في الشرق والوازع الأكاديميُّ أقوى من نظيره في الشرق. لكن الغرب لديه تحديات أخرى، مثل التباعد النسبيّ بين كلية اللاهوت والكنيسة. بينما في مصر، على سبيل المثال، كلية اللاهوت تفهم هويتها ودعوتها ورسالتها في ارتباط وثيق بالكنيسة. ومرة أخرى، هذا تحليل تقريبي لسؤال واسع النطاق. فليس هناك فروق حادة أو ثابتة بين الشرق ككل والغرب ككل، فمثلًا هناك مناطقُ في الغرب بها نفسُ التحديات التي تواجه التعليم اللاهوتي في الشرق، حتى ولو اختلفت المظاهر الحضارية/الثقافية لهذه التحديات.

* منذ عدَّة أيام أطلَق رئيس جامعة القاهرة مُبادرة علميَّة لسدّ الفجوة المعرفيَّة والتكنولوجيَّة مع أول عشر جامعات على مُستوى العالم، من خلال تكوين لجان علميَّة عُليا لتنفيذ مشروعات بحثيَّة، تحلِّل وترصد تخصُّصات الكُليَّات العَشر العالميَّة. ألا تعتقد أنَّ كليَّات اللاهوت في مصر تحتاج لمثل تلك المبادَرة في التَعرف على العمليَّة العلميَّة في أشهَر كليَّات اللاهوت في الخارج؟

د. هاني:

بالطَّبع هذه المبادرة ايجابيَّة وهامَّة جدًّا، وأتمنى أن تقوم كليات اللاهوت بمصر والشرق الأوسط باتخاذ خطوات شبيهة. وبالنِّسبة لنا في ETSC، هذا يحدث بشكل غير مباشر وشبه تلقائيّ. وذلك لأنَّ جميع الأساتذة نالوا قدرًا مُعْتَبَرًا من تعليمهم في الخارج. وإذ يَعودُ الأساتذةُ إلى مصر، يحاولون الاستفادَةَ من هذه الخبرة بما يُنَاسِبُ السياقَ المَحَلِّيّ. ولكن من الضروري أيضًا العمل على بناء وتطوير المجتمع اللاهوتي بالمنطقة، لتطوير التعليم اللاهوتي الإنجيلي بحيث يخدم السياق الشرق أوسطي بأفضل كيفية ممكنة.

المحاور: كيف ترى علاقة كليَّة اللاهوت الإنجيليَّة مع الكليَّات الأخرى في مصر أو في الوطن العربي؟

د. هاني:

* جزءٌ أصيل مِن دعوتنا كمسيحيين إنجيليين هو انتماؤنا لكنيسةٍ أكبر مِنَ الحُدُودِ المَذْهَبِيَّة. وبالتالي، لا للانعزال. إنَّ العلاقات بين كليَّات اللاهوت مُهمَّة بهدف الشَّركة والصَّلاة والتَعاون، مع ضرورة وضع أُطُرٍ صحيَّةٍ لهذه العلاقات لكي تؤدي إلى نمو جميع الأطراف بِمَا يَتناسبُ مع رؤية ولوائح وظروف كل كلية. وهناك بالفعل تخطيطٌ لِعَقْدِ شَرَاكةٍ في المستقبل القريب مع كليَّات لاهوت أخرى في الشرق الأوسط. وأتمنَّى لكلّ كليَّات اللاهوت بمصر والوطن العربي أن تستمر في تطوير نَفْسِها لِتَخْدُمَ الكنيسةَ والمجتَمَع بأفضل شكل ممكن في شهادةٍ للمَسِيحِ.

المحاور: ما هي أهمّ تحديات التَّعليم اللاهوتي في مصر؟

د. هاني:

بصفة عامة، هى نفس مشاكل التَّعليم في مصر، مثل:

* السَطحيَّة والتَلقين، وحصر الدارس للهدف من التعليم في الحصول على شهادة. عند حدوث ذلك، لا يكون هناك مكانٌ كافٍ للتَّمتُّع ولذَّة الصِّراع والتغيير في رحلة التَّعلُّم، إذ الأهمّ هو المحطة النِّهائيَّة أي شهادة التخرج. ومن الرائع أن وزارة التعليم المصرية تعمل حاليًا على تغيير هذا الواقع. إنَّ المعرفةَ ليست كبسولةً، إنَّها رحلةٌ تستدعي بحثًا وحوارًا وصراعًا وفَهْمًا وإعادة صياغة، إلخ. والمهم في رحلة التَعليم هو التَّشكيل على مستوى العقل والوجدان، والنمو في فهم الحياة والتَّأثير في المجتمع. والتركيز على مجرَّد الحصول على شهادة، هو أمرٌ يؤثِّر أيضًا على بعض المُنْخَرِطِين في التَعليم اللاهوتي.

* ضعف القراءة، حتى بين المتعلِّمين والمثقَّفين. إنَّ القراءة وسيلة أساسية للبحث والتعلم. لكنَّ هناك الكثيرين مِمَّن يبحثون عن إجابات سَهلة لأسئلة صعبة، بدون تكلف مشقة القراءة والبحث أو تقدير الاختلاف المشروع بشأن بعض القضايا. لكنَّ كلمة الله تقفَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ. الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ” (١كورنثوس ١٣: ١٢). وهذا النص الكتابي يحثنا على التواضع والرجاء. لكنه يحثنا أيضًا على الخروج في رحلة السعي للمعرفة، حتى ولو كانت تلك المعرفةُ جزئيَّةً. إنَّ التعليم اللاهوتي رحلةٌ يتشكلُ فيها الإنسانُ، أثناء تَفَاعُلِهِ المستمر مع سِياقاته المتنوِّعة، لينتقلَ خطوةً للأمام. ورحلَةُ المعرفة هي عمليَّةُ تشكيلٍ تَشمل الحياةَ كلّها وتتطلب سعيًا جادًّا في القراءة والبحث.

* غياب أو ضعف التمييزَ بين التعليم اللاهوتي الذي يَحدثُ في الكنيسة والذي إطارُهُ تَعَبُّدِيٌّ، وبين التعليم اللاهوتي الذي يحدثُ في كلية اللاهوت والذي إطارُهُ أكاديميٌّ (أي مَنْهَجِيٌّ، مِعياريٌّ، تَقْييمِيٌّ). وعدم التمييز هذا يؤدي أحيانًا إلى توقُّعات غير واقعيَّة لدى الدارسين من جهة الدراسة بكلية اللاهوت، الأمر الذي يتسبب في ضعف عملية التَعَلُّم اللاهوتي.

المحاور: كيف يُساعد التَّعليم اللاهوتي في خدمة الكنيسة؟

د. هاني:

التعليمُ اللاهوتيُّ يساعد الكنيسة على النمو في الشهادة لملكوت الله، وذلك بتخريج خدام لاهوتيين قادرين على قيادة الكنيسة بهدف النمو في معرفة الله وحبه وخدمته في العالم. وهذا يحدث إذْ يُسَاعِدُ التعليمُ اللاهوتيُّ الكنيسةَ على التالي: (١) أنْ تَعْبُدَ اللهَ بالروح والحق، و(٢) أن تَعيش ملكوت الله كمثال للمُجتمع والعالم في شهادة للمسيح، و(٢) أن تَشكُرَ المجتَمَعَ وتُشجِّعَه عندما يعمل على خدمة ملكوت الله بإرساء قواعد الحق والخير والجمال في العالم، وأن تُنَبِّهَ المُجتمعَ عندما يَعمل ضدَّ قِيَمِ ملكوت الله المُعلَنة في المسيح.

المحاور: ما هى رؤيتك لإدارة الكليَّة في المرحلة القادمة؟

د. هاني:

رؤيتي الإدارية نابعة من ارتباطي بالكليَّة لمدة عشرين عامًا، حَدَثَ خلالها تحت قيادة د. عاطف مهني تَطَوُّرٌ وامتدادٌ كبيرٌ في جميع المجالات، الأكاديميَّة والإداريَّة والإنشائية، إلخ. وباختصارٍ، المرحلة القادمة تُركز على تَجويد وتطوير ما تم تحقيقه، بكيفيةٍ تُحقق الاستدامةَ الحيويةَ للكلية.

المحاور: عادةً في الدَولة المصريَّة، عندما يتولَّى مسؤول مَنصبًا يقوم بشَطْب أو هَدْم ما قام به سابقه. هل ستقوم بذلك؟

د. هاني:

بالطَبع لا. فكما أشرتُ سابقًا، إنَّ الوقت السَّابق كان وقت امتداد، والوقت القادم فهو لترسيخ وتجويد وتطوير لما قد تَمَّ. وذلك في ضوء رسالة الكلية وإقرار إيمانها وقيمها الجوهرية، وبحسب الإمكانَات المتاحة. إنَّ هَدْمَ الماضي هو فِعْلٌ لا إنسانيّ، إنَّه إنكارٌ للإنسانية. إنَّ الإنسانَ كائنٌ تاريخيٌّ، والمؤسَّسةُ تعكسُ هذا البعد التاريخي بانتقالها من حِقْبَةٍ إلى أُخْرَى تتغير فيها أدوار البشر العاملين بها. والاستمرارية التَاريخيَّةُ تُعَبِّرُ عن إنْسَانِيَّةِ الأفراد وأصالة المؤسسات. كما إنَّ هَدْمَ ما مَضَى هُوَ بمثابةِ إنكار لعَمَلِ الله في الماضي. هذا بالإضافة إلى أنَّني وكل فريق العمل بالكلية قد شَارَكْنَا في تحقيق الامتداد الذي حَدَثَ بالكلية. وبالتالي، هَدْمُ الماضي هو أيضًا هدمٌ للحاضر والمستقبل، بل هو هدمٌ عبثيٌّ لأنفسنا. لِيَحْمِنَا اللهُ وليُعطِنَا نِعمةً لكي لا نَفْقِد إنسانِيَّتَنا ولكي لا نتوقف عن تمجيدنا لله العامل دائمًا في التاريخ.

المحاور: ما هي أهمّ المشجِّعات التي تدفعك للخدمة في إدارة الكليَّة؟

د. هاني:

أولاً: وجود رؤية لديَّ للتطوير، ويشاركني فيها زملائي من الأساتذة ويُقِرُّهَا مَجلسُ الكلية.

ثانيًا: فريق العمل: زملائي الذين أخدم معهم. وهنا أَقْصد الأساتذة والموظَّفين والعمَّال. ففي الكلية فريقُ عملٍ متميِّز لا يمكنني العمل بدونه. كما إنَّ دَعْمَ د. عاطف مهني مَصْدَرُ تشجيع كبير. هذا بالإضافة إلى أنَّ مَجلس الكليَّة المحترم يَدْعَمُ خدمةَ الكليَّةِ بأمانة وكفاءة، الأمر الذي يُشجعني على القيام بدوري الجديد.

ثالثًا: الطلاب والخريجين: إنَّ رؤية ثمر خدمة الكلية في حياة وخدمة طلابها وخريجيها هو أمرٌ يبث في النفسِ الأملَ في غد أفضل، وبالتالي يعطي دافعًا قويًّا للخدمة.